فصل: تفسير الآية رقم (164):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (162- 163):

{أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {أفمن اتبع رضوان الله} بأن اعتقد في نبيه الكمال، وأطاعه في وصف الجلال والجمال، وهم المؤمنون، حيث نزهوا نبيهم من النقائص، ومَن هَجَسَ في قلبه شيء بادر إلى التوبة، ثم اتصف بكمال الخصائص، هل يكون {كمن باء} بغضب {من الله}؟ وهم المنافقون، حيث نافقوا الرسول واتهموه- عليه الصلاة والسلام- بالغلول.
أو يقول: {أفمن ابتع رضوان الله} بالطاعة والانقياد {كمن باء بسخط من الله} بالمعاصي وسوء الاعتقاد {ومأواه جهنم وبئس المصير} أي المنقلب، والفرق بين المصير والمرجع: أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى، ولا كذلك المرجع. قاله البيضاوي.
{وهم درجات عند الله} أي: أهل الرضوان درجات متفاوتة عند الله، على قدر سعيهم في موجب الرضا، وأهل السخط درجات أيضاً، على قدر تفاوتهم في العصيان، وهو على حذف مضاف، أي: ذُوو درجات، {والله بصير بما يعملون}؛ {فيجازي كُلاًّ} على قدر سعيه.
الإشارة: {فأمن اتبع رضوان الله} بتعظيم الأولياء والعلماء وأهل النسبة، كمن باء بسخط من الله بإهانة من أمر الله أن يُعظم ويُرفع، ومأواه حجاب الحس وعذاب البعد، {وبئس المصير}، فأهل القرب درجات على قدر تقربهم إلى ربهم، وأهل البعد درجات في البعد على قدر بعدهم من ربهم، بشؤم ذنبهم وسوء أدبهم، والله بصير بأعمالهم وما احتوت عليه قلوبهم.

.تفسير الآية رقم (164):

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {لقد منّ الله على المؤمنين} حيث {بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أي: من جنسهم، أو من نسبهم، عربيّاً مثلهم، ليفهموا كلامه بسهولة، ويفتخروا به على غيرهم. وتخصيص المؤمنين بالمنة، وإن كانت نعمته عامة؛ لزيادة انتفاعهم على غيرهم؛ لشرفهم وذكرهم به، حال كونه {يتلو عليهم آياته}؛ القرآن بعد أن كانوا جاهلية لا يعرفون الوحي ولا سمعوا به، {ويزكيهم} أي: يطهرهم من دنس الذنوب ودرن العيوب، {ويعلمهم الكتاب} أي: القرآن، {والحكمة} أي: السنة، {وإن كانوا} أي: وإنه، أي: الأمر والشأن كانوا {من قبل} بعثته {لفي ضلال مبين} أي: ظاهر بيِّن.
الإشارة: لقد منّ الله على المتوجهين إليه الطالبين لمعرفته، حيث بعث لهم من يأخذ بأيديهم، ويطوي مسافة البعد عنهم، وهم شيوخ التربية، يتلون عليهم آياته الدالة على كشف الحجاب وفتح الباب، ويزكيهم من دنس العيوب المانعة لعلم الغيوب، ثم يزكيهم من درن الحس إلى مشاهدة القرب والأنس، ويعلمهم الكتاب المشتمل على عين التحقيق، والحكمة المشتملة على التشريع وبيان الطريق، فيجمعون لهم ما بين الحقيقة والشريعة، وقد كانوا قبل ذلك في ضلال مبين عن الجمع بينهما. وهذه المنّة عامة في كل زمان، إذا لا تخلو الأرض من داع يدعو إلى الله، ومن اعتقد قطعه فقد قطع منّة الله، واستعجز قدرة الله، وسد باب الرحمة في وجه عباد الله، والعياذ بالله.

.تفسير الآية رقم (165):

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)}
قلت: الهمزة- للتفريع، و{لَمَّا}: ظرف، خافضة لشرطها، منصوبة بجوابها، وهي معطوفة على محذوف، أي: أكان من كان يوم أحد، ولمّا أصابتكم مصيبة، قلتم ما قلتم، و{قد أصبتم}: جملة حالية.
يقول الحقّ جلّ جلاله: أحين {أصابتكم مصيبة} يوم أحد بقتل سبيعن منكم، و{قد أصبتم مثليها} يوم بدر فقتلتم سبعين وأسرتم سبعين، {قلتم أنَّى هذا} أي: من أين أصابنا هذا البلاء وقد وعدنا النصر؟ {قل} لهم: {هو من عند أنفسكم} أي: مما اقترفته أنفسكم من مخالفة المركز، والنصر الموعود كان مشروطاً بالثبات والطاعة، فلما اختل الشرط اختل المشورط، {إن الله على كل شيء قدير}؛ فيقدر على النصر بشرط وبغيره، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والشروط؛ لأن هذا العلام قائم بين قدرة وحكمة.
أو: {قل هو من عند أنفسكم} باختياركم الفداء يوم بدر: رُوِيَ عن عليّ رضي الله عنه قال: (جاء جِبْريل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: خيِّرْ أصْحَابَكَ في الأسارى، إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفِدَاء، عَلَى أنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ عاماً مقبلاً مِثْلُهمْ، قالوا: الفِدَاء ويُقْتَلُ مِنَّا). والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا أصاب المريد شيء من المصائب والبلايا، فلا يستغرب وقوع ذلك به، ولا يتبرم منه، فإنه في دار المصائب والفجائع، لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمتَ في هذه الدار، فإنما أبرزت ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها. وإذا كان أصابته مصيبة في وقت، فقد أصابته نعمٌ جمة في أوقات عديدة، فليشكر الله على ما أولاه، وليصبر على ما ابتلاه، ليكون صباراً شكوراً.
قال الشيخ أبو الحسن- رضي الله عنه-: (العارف هو الذي عرف إساءاته في إحسان الله إليه، وعرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون). وأيضاً: كل ما يصيب المؤمن فمن كسب يده، ويعفو عن كثير.
وإن كان المريد وعد بالحفظ والنصر، فقد يكون ذلك بشروط خفيت عليه، فلم تحقق فيه، فيخلف حفظه لينفذ قدر الله فيه، {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} [الأحزاب: 38].
وليتميز الصادق من الكاذب والمخلص من المنافق.

.تفسير الآيات (166- 168):

{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)}
قلت: {وقيل لهم تعالوا}: استئناف، أو معطوف على {نافقوا}، و{الذين قالوا لإخوانهم}: بدل من الضمير المجرور في {لهم}، أي وقيل للمنافقين: قاتلوا أو ادفعوا، ثم فسرهم بقوله: وهم {الذين قالوا لإخوانهم...} إلخ. أو من الواو في {يكتمون}، أو منصوب على الذم، أو مبتدأ، والخبر: {قل...} على من يجيز إنشاء الخبر، و{قعدوا}: جملة حالية، على إضمار قد.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما أصابكم} يا معشر المسلمين يوم أحد {يوم التقى} جمع المسلمين وجمع الكفار، من القتل والجرح والهزيمة، {فبإذن الله} وقضائه، لا راد لإمضائه، {وليعلم} علم ظهور في عالم الشهادة {المؤمنين} والمنافقين؛ فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء، وقد ظهر نفاقهم حيث رجعوا مع عبد الله بن أبي، وكانوا ثلاثمائة.
وذلك انَّ ابن أُبيّ كان رأيه ألا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروجَ قومٌ من المسلمين، فخرج- عليه الصلاة والسلام- كما تقدم، غضب ابن أُبيّ، وقال: أطاعهم وعصاني. فرجع، ورجع مع أصحابه، فتبعهم أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام، وقال لهم: ارجعوا {قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا}، أي: كثروا سواد المسلمين، فقال ابنُ أُبيّ- رأس المنافقين-: ما أرى أن يكون قتالاً، ولو علمنا أن يكون قتال {لاتبعناكم}، وكنا معكم.
قال تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان}؛ لظهور الكفر عليهم من كلامهم، فأمارات الكفر عليهم أكثر من أمارات الإيمان، أو: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن رجوعهم ومقالتهم تقوية للكفار عليهم وتخذيل للمسلمين، {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم}، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون، لا تواطئ قلوبهم ألسنتم بالإيمان، وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتغليظ، {والله أعلم} منكم {بما تكتمون} من النفاق؛ لأنه يعلمه مفصلاً بعلم واجب، وأنتم تعلمونه مجملاً بأمرات.
وهؤلاء المنافقون هم {الذي قالوا} في شأن إخوانهم الذي قُتلوا يوم أحد: {لو أطاعونا} وجلسوا في ديارهم {ما قتلوا}، قالوا هذه المقالة وقد قعدوا عن الخروج، {قل} لهم يا محمد: {فادْرءوا} أي: فادفعوا {عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} أنكم تقدرون أن تدفعوا القتل عمن كتب عليه، فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه حين يبلغ أجلكم، فإنه أحرى بكم، فالقعود لا يُنجي من الموت إذا وصل الأجل، فإن أسباب الموت كثيرة، فقد يكون القعود سبباً للموت إن بلغ الأجل، وقد يكون الخروج سبباً للنجاة إن لم يبلغ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وما أصابكم يا معشر الفقراء عند توجهكم إلى الحق فارين من الخلق، حين استشرفتم على الجمع وجمع الجمع فبإذن الله؛ فإن الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وليظهر الصادق من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء والطريق الموصلة إليها محفوفة بالمكاره، مشروطة بقتل النفوس وحط الرؤوس، ودفع العلائق، والفرا من العوائق.
فإذا قيل للعوام: قاتلوا أنفسكم في سبيل الله لتدخلوا حضرة الله، ادفعوا عن أنفسكم العلائق لتشرق عليكم أنوار الحقائق، قالوا: قد انقطع هذا الطريق واندرست أرباب علم التحقيق، ولو نعلم قتالاً بقي يُوصلنا إلى ربنا، كما زعمتم؛ لاتبعناكم ودخلنا في طريقكم. وهم للكفر يومئذ أقرب للإيمان، حيث تحكموا على القدرة الأزلية، وسدوا باب الرحمة الإلهية، وإنما يقولون ذلك احتجاجاً لنفوسهم، وأبقاء على حظوظهم، وليس ذلك من خالص قلوبهم، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
وإذا نزل بأهل النسبة نكبة أو بلية، قالوا لأخوانهم، الذين دخلوا في طريق القوم، وقد قعدوا هُم مع العوام: لو أطاعونا ولم يدخلوا في هذا الشأن، ما قتلوا أو عذبوا، فقل لهم أيها الفقير: القضاء والقدر يجري على الجميع، فادفعوا عن أنفسكم ما تكرهون، إن كنتم صادقين أن المكاره لا تصيب إلا من توجه لقتال نفسه. والله تعالى. أعلم بأسرار كتابه.

.تفسير الآيات (169- 171):

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)}
قلت: {ألاَّ خَوف عليهم}: بدل من {الذين لم يلحقوا}، أو مفعول لأجله، وكرر: {يستبشرون}؛ ليذكر ما تعلق به من الفضل والنعمة، أو: الأول بحال إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تحسبن} أيها الرسول، أو أيها السامع، {الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل} هم {أحياء}؛ لأن الله تعالى جعل أرواحهم في حواصل طير خضر، يسرحون في الجنة حيث شاءوا عند ربهم، بالكرامة والزلفى، يُرزقون من ثمار الجنة ونعيمها، فحالهم حال الأحياء في التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين؛ فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حق يدخلوا الجنة. قاله ابن جزي.
قلت: شهداء الملكوت- وهم العارفون- أعظم قدراً من شهداء السيوف، وراجع ما تقدم في سورة البقرة.
{فرحين بما آتاهم الله من فضله} من الكرامة والزلفى والنعيم الذي لا يفنى، {ويسبشرون بالذين لم يلحقو بهم من خلفهم} أي: بإخوانهم الذي لم يُقتلوا فيلحقوا بهم من بعدهم. وتلك البشارة هي: {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون}، أو من أجل {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
والحاصل: أنهم يستبشرون بما تبين لهم من الكرامة في الآخرة، وبحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم إذا ماتوا أو قُتلوا، كانوا أحياء، حياة لا يدركها خوفُ وقوعِ محذور، ولا حزن فوات محبوب. فالآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مُدرِك بذاته، لا ينفى بخراب البدن، ولا يتوقف على وجود البدن إدراكه وتألمُه والتذاذه. ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُواً وَعَشِيّاً} [غَافِر: 46]، وما رَوى ابنُ عباس من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أرْواحُ الشهداء في أجْوافِ طَيْرِ خَضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجنّةِ، وتَأكُلُ منْ ثِمارِها، وتَأوِي إلى قَنَادِيلَ مُعلَّقةٍ في ظلِّ العَرشِ»- قال معناه البيضاوي.
ولمّا ذكر استبشارهم بإخوانهم ذكر استبشارهم بما يخصهم فقال: {يستبشرون بنعمة من الله}؛ وهو ثواب أعمالهم الجسماني، {وفضل} وهو نعيم أرواحهم الروحاني، وهو النظر إلى وجهه الكريم، ويستبشرون أيضاً بكونه تعالى {لا يضيع أجر المؤمنين}، ماتوا في الجهاد أو على فرشهم، حيث حسنت سريرتهم وكرمت علانيتهم، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لله عباداً يصرفهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويميتهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء» قلت: ولعلهم العارفون بالله، جعلنا الله من خواصهم، وسلك بنا مسالكهم. آمين.
الإشارة: لا تحسبن الذي بذلوا مُهجهم، وقتلوا أنفسهم بخرق عوائدها، وعكس مراداتها، في طلب معرفة الله، حتى ماتت نفوسهم، وحييت أرواحهم بشهود محبوبهم، حياة لا موت بعدها، فلا تظن أيها السامع أنهم أموات، ولو ماتوا حسّاً، بل هم أحياء على الدوام، وفي ذلك يقول الشاعر:
مَوْتُ التَّقِيِّ حَيَاةٌ لا فَنَاءَ لَهَا ** قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَحْيَاءُ

فهم عند ربهم يشاهدونه مدة بقائهم، يرزقون من ثمار المعارف وفواكه العلوم، فرحين بما أتحفهم الله به من القرب والسر المكتوم، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في المرتبة ممن تعلق بهم وأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه من معرفة الحي القيوم، فلا يلحقهم حينئذٍ خوف ولا حزن ولا هم ولا غم، لما سكن في قلبهم من خمرة محبة الحبيب، والقرب من القريب المجيب، وفي ذلك يقول ابن الفارض.
وإِنْ خَطَرَتْ يوماً علَى خاطِر امْرِئ ** أقَامَتْ به الأفْرَاحُ وارتَحلَ الهمُّ

يسبشرون بنعمة أدب العبودية، وفضل شهود أسرار عظمة الربوبية، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المحبين لطريق المخصوصين، فإن طريق محبة طريق القوم عناية، والتصديق بها ولاية، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ولما رجع أبو سفيان من غزوة أُحد، هو وأصحابه، حتى بلغوا الروحاء، ندم وهم بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه للخروج في طلبه، وقال: «لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس»، فخرج صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد- وهي على ثمانية أميال من المدينة- وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم كي لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فذهبوا.